الفترات الحساسة

بينما نحن نتجول، نلاحظ أن طفلتنا البالغة من العمر سنة ونصف تريد أن تتوقف لتتفحص كل شيء. الوردة على الطريق، النملة، عودة الخشب، الحصي (الحجارة الصغيرة)، تمسك الاشياء بأصابعها الصغار، تنظر إليها، تتحسسها، تقلبها، تحاول أن تكتشفها وأحياناً الى الفم. تفعل نفس الشيء مرارًا وتكرارًا، ونحن نحاول استعجالها للاكمال بطريقنا – المشهد لربما مألوف إلى حد ما لكل والد ووالدة.

في هذه المواقف من المهم التذكر أن سلوك الطفل لا يدل على شقاوة عن عمد، انما، وفقا لمونتيسوري ، الطفل على استعداد لتطوير معرفة او مهارة جديدة، يتم تعلمها عبر الحواس. انه يحتاج الى استكشاف شيء ما ينجذب اليه – هذه هي طريقته ليتعلم. هو يمر في “فترة حساسة” معينة، نافذة تنموية وفرصة استثنائية يتعلم بها بسهولة، أسهل من أي وقت آخر بحياته. بمجرد اكتساب المعرفة الكافية ستمر هذه الحاجة، ولا تعد رغبة عند الطفل للمس كل شيء صغير. بينما إن تم وضع قيود كثيرة على الطفل وتقزيم غرائزه الطبيعية (الميول البشرية) في هذه المرحلة، قد يلقي نوبات الغضب ليظهر عن استيائه.

حددت مونتيسوري ستة فترات حساسة:

  1. الترتيب والنظام (1-3 سنوات)
  2. التحكم بالحركة (1.5-4 سنوات)
  3. اللغة (0-6 سنوات)
  4. تطوير وصقل الحواس (0-6 سنوات)
  5. اكتساب السمات الاجتماعية والثقافية (2.5-5 سنوات)
  6. ملاحظة التفاصيل الدقيقة (الاشياء الصغيرة) (1.5-2 سنوات)

1. الفترة الحساسة للترتيب والنظام (1-3 سنوات):

قد تظهر هذه الفترة الحساسة في سنة الطفل الأولى – حتى في الاشهر الأولى من الحياة وتظهر بشكل أوضح خلال السنة الثانية. خلال هذا الوقت الأطفال يتعرفون على بيئتهم ويسعون جاهدون إلى فرز وتصنيف جميع التجارب التي يمرون بها. من الاسهل بالنسبة لهم القيام بذلك إذا كان هناك نوع من النظام في البيئة. يحبون أن يتم التعامل معهم بنفس الطريقة، من قبل نفس الشخص وفي بيئة مألوفة عليهم. الطفل بحاجة للروتين وللثبات بالبيئة. هذا كله يساعد الطفل على بناء صورة ذهنية للعالم.

يمكن اكتشاف هذه الفترة الحساسة بشكل خاص عندما نلاحظ أن الطفل يستاء جدًا من التغييرات في بيئته المعتاد عليها او التغيير بالروتين مثل الذهاب في عطلة.

اشارة اخرى أن الطفل يمر بهذه الفترة الحساسة هي انه يبدأ بارجاع الاشياء الى مكانها الصحيح، بحال أنه ترعرع ببيئة منظمة ومرتبة.

2. الفترة الحساسة للتحكم بالحركة (1.5-4 سنوات):

عندما يتعلم طفلك المشي وهو بين سن السنة حتى 15 شهر تقريباً، تتكون عنده الحاجة لممارسة واتقان هذه المهارة الجديدة. نحن (البالغون) نمشي من أجل التنقل من مكان إلى آخر، اما الطفل فهو يمشي لمجرد حاجته باتقان مهارات التوازن والحركة. منذ هذه اللحظة الطفل يبدأ بالمشي (أوج الفترة الحساسة). في كتاب سر الطفولة لماريا مونتيسوري، تعطي أمثلة عن أطفال بعمر السنتين وثلاث سنوات الذين يمشون كيلومترات بدون أن يتعبوا ويتسلقون الدرج صعوداً ونزولاً فقط من أجل اتقان حركتهم.

نحن نميل إلى التقليل من قدرة الطفل على المشي وذلك لاننا نتوقع منهم المشي بحسب وتيرتنا نحن. يجب علينا التذكر دائماً بان لا فائدة بأخذ الطفل باليد وأن نسيّره معنا بحسب وتيرتنا. بسرعة سيتعب ويطلب أن يتم حملانه، أما إذا مشينا نحن بحسب وتيرته، نتركه يتمعن بالطبيعة حوله، بالزهرة على جانب الطريق، على سرب النمل وثم يمضي قدمًا عندما يكون مستعدًا، فسوف يمشي لمسافات طويلة ولا يتعب.

3. الفترة الحساسة لللغة (0-6 سنوات):

الفترة حساسة لللغة تبدأ منذ الولادة. يسمع طفلك صوتك ويراقب الشفاه واللسان – الاعضاء المسؤولة عن الكلام – منذ الصغر، ويستوعب الحركات والاصوات كل الوقت. حتى سن السادسة، سيتقن الطفل تركيبة الجمل الأساسية، القواعد واللكنة المتداولة بالعائلة للغة الام، بالرغم من انعدام التعليم المباشر تقريباً. سينجز انجازاً استثنائياً من التعلم، بقواته الذاتية. لكن اذا، لأي سبب من الأسباب ، لا يتعرض الطفل بانتظام إلى اللغة خلال هذه الفترة (الفترة الحساسة)، فسيكون هناك ضرر لمدى الحياة. اعتمادًا على درجة الحرمان، قد يعاني حتى من قيود في نموه الفكري.

الفترة الحساسة لللغة تنقسم ل 3 مراحل:

  • من 0 – 3.5 سنوات: الفترة الحساسة للتحدث. خلال هذه الفترة، الطفل يتعلم مفردات جديدة بسهولة كبيرة، لهذا السبب واجبنا أن نعطيه الاسماء الصحيحة لكل شيئ عن طريق الحديث، القصص، بطاقات اللغة (صور) ومجسمات واقعية (حقيقية).
  • من 3.5 – 4.5 سنوات: الفترة الحساسة للكتابة. خلال هذه الفترة الطفل يمر أيضاً بالفترة الحساسة لتنسيق الحركة (بما يتخلل تنسيق حركة اليد) فالكتابة تبدأ بطريقة تلقائية (اذا التجهيز كان كافي وصحيح)، بالاضافة اسهل للطفل أن يعبر عن افكاره (بالكتابة) من فهم افكار غيره (قراءة) بسبب أن الاخير يحتاج الى عمق اضافي من النمو الفكري.

  • من 4.5 – 5.5 سنوات: الفترة الحساسة للقراءة. بعمر 5 سنوات يتحول اهتمام الطفل لتفسير الرموز المكتوبة، امر يحتاج لمهارات تحليل مبنى الجملة المقروءة وفهمها.

للقراءة بتعمق أكثر عن مونتيسوري واللغة، أنقر هنا

4. الفترة الحساسة لتطوير وصقل الحواس (0-6 سنوات):

منذ لحظة الولادة ، يتلقى طفلك انطباعات عن العالم من حوله من خلال الحواس الخمس. أولًا حاستي البصر والسمع تتنشطان، ثم تدريجيًا، مع تقدم مهاراته الحركية، حاسة اللمس تلعب دورًا ، تليها حاسة التذوق، لأنه قادر على جلب الأشياء الى فمه.

در. مونتيسوري كتبت عن أهمية الام وكونها الجسر بين الطفل للعالم. فالامهات اعتادوا أن يحملوا أطفالهم معهم كل مكان. وهكذا تعرفت الاطفال عالعالم عبر هذه التجربة الحسية: بالسوق شاهدوا الوان واشكال الخضار المختلفة، شموا روائح البهارات المختلفة، سمعوا اصوات البياعين يسوّقون بضاعتهم وبهذه الطريقة، الطفل شاهد وسمع كل شيء يحدث حوله. بمجرد أن يتمكن من التحرك – الزحف أو المشي – يحتاج إلى الكثير من الحرية حتى يتمكن أن يكتشف بقواته الذاتية عبر حواسه.

التكرار بقول “لا” باستمرار وحصر الطفل الصغير في كرسي او عربة والحد من حرية الحركة لفترات طويلة من الزمن ، سوف تأخر تعلمه.

5. الفترة الحساسة لاكتساب السمات الاجتماعية والثقافية (2.5-5 سنوات):

في حوالي سن سنتين ونصف أو ثلاث سنوات، ستلاحظ أن طفلك قد إكتشف أنه جزء من مجموعة. يبدأ بإظهار اهتمام شديد في الأطفال الآخرين من عمره ويبدأ تدريجيًا في اللعب معهم بطريقة تعاونية. ينمو لديه شعور الانتماء، الذي بحسب مونتسوري لا يمكن غرسه بواسطة التعليمات، انما ينمو بشكل عفوي بسبب حاجات داخلية خاصة بالطفل. بالاضافة، لقد لاحظت مونتيسوري أن الاطفال بهذه الفترة يبدأون في صياغة أنفسهم على السلوك الاجتماعي متمثلين بالبالغين ويكتسبون تدريجيًا المعايير الاجتماعية فيصبحون جزءاً من المجتمع والعائلة.

بهذه المرحلة مهم جداً اصطحاب الاطفال للبرامج الاجتماعية حتى يكتسبوا عادات المجتمع ويصبحوا جزءاً منه.

6. الفترة الحساسة لملاحظة التفاصيل الدقيقة (الاشياء الصغيرة) (1.5-2 سنوات):

عندما يصبح الطفل قادراً على الحركة والتنقل بنفسه، يبدأ باكتشاف البيئة الاوسع. يكتشف الأشياء الصغيرة في بيئته مثل الحشرات والحصى والحجارة والعشب الرفيع. سوف يختار شيئاً ما، يمسكه باصابعه، يتمعن به عن كثب وربما أيضاً يضعه في فمه. الرغبة في الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة هو جزء من جهدهم لبناء فهمهم للعالم وتطوير مسكة الملقط بالاصابع وعلينا اتاحة الفرصة والوقت لاطفالنا للاستكشاف.

بأي فترات حساسة عم بمروا أطفالكم؟ وليش بتفكروا هيك؟ شاركونا بالتعليقات

0 تعليقات

اكتب تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.